سيد محمد طنطاوي
340
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال بعض العلماء : وكثيرا ما يتعلق النهى في القرآن بالقربان من الشيء ، وضابطه بالاستقراء : أن كل منهى عنه من شأنه أن تميل النفوس إليه ، وتدفع إليه الأهواء ، جاء النهى فيه عن القربان ، ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك الميل في النفس مكانة تصل بها إلى اقتراف المحرم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : * ( ولا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . . ) * * ( ولا تَقْرَبُوا الزِّنى . . . ) * ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ . . . أما المحرمات التي لم يؤلف ميل النفوس إليها ، ولا اقتضاء الشهوات لها ، فإن الغالب فيها ، أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه . ومن ذلك قوله - تعالى - : * ( ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ . . . ) * وقوله - تعالى - : * ( ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ . . ) * . فهذه وإن كانت فواحش ، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية ، يميل إليها الإنسان بشهوته . بل هي في نظر العقل على المقابل من ذلك ، يجد الإنسان في نفسه مرارة ارتكابها ، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها ، أو في حكم الكاره . . « 1 » . وقوله : * ( إِنَّه كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا ) * تعليل للنهي عن الاقتراب منه ، أي : ابتعدوا عن مقدمات الزنا فضلا عن الوقوع فيه ذاته ، لأنه كان - وما زال - في شرع اللَّه ، وفي نظر كل عقل سليم فعلة فاحشة ظاهرة القبح وبئس الطريق طريقه ، فإنها طريق تؤدى إلى غضب اللَّه - تعالى - وسخطه . ومما لا شك فيه أن فاحشة الزنا من أقبح الفواحش التي تؤدى إلى شيوع الفساد والأمراض الخبيثة في الأفراد والمجتمعات ، وما وجدت في أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا . ولقد تحدث الإمام الرازي عن تلك المفاسد التي تترتب على الزنا فقال ما ملخصه : الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد ، أولها : اختلاط الأنساب واشتباهها ، فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية ، أهو منه أو من غيره . . . وثانيا : أنه إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل لتلك المرأة ، لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل .
--> ( 1 ) تفسير القرآن العظيم ص 441 لفضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت .